منتديات البسمة

مرحبا بك في بيتك منتديات البسمة
حفاظا علي حق كل من ساهم تم اخفاء مجموعه من الاقسام يجب عليك الدخول لرؤيتها
و
لايمكنك الاشتراك في المنتدي دون تسجيل
للتسجيل اضغط علي كلمة سجل في الاسفل

مع تحيات إدارة منتديات البسمة

من يبحث عن الامان يتجه نحو الحب و من يبحث عن الراحة يتجه نحو الحب.....شعور لا يستاذن في الدخول الى القلوب.


    في الطائرة

    شاطر
    avatar
    admin
    كبار الشخصيات
    كبار الشخصيات

    الجنس : ذكر عدد الرسائل : 2731
    نقاط : 36110
    تاريخ التسجيل : 04/03/2009

    في الطائرة

    مُساهمة من طرف admin في الإثنين مايو 10, 2010 4:18 am

    حينما جلست في المقعد المخصص لي في الدرجة الأول من الطائرة التي تنوي
    الإقلاع إلى عاصمة دولةٍ غربية ، كان المقعد المجاور لي من جهة اليمين ما
    يزال فارغاً ، بل إن وقت الإقلاع قد اقترب والمقعد المذكور ما يزال فرغاً
    ، قلت في نفسي : أرجو أن يظل هذا المقعد فارغاً ، أو أن ييسّر الله لي فيه
    جاراً طيباً يعينني على قطع الوقت بالنافع المفيد ، نعم أن الرحلة طويلة
    سوف تستغرق ساعات يمكن أن تمضي سريعاً حينما يجاورك من ترتاح إليه نفسك ،
    ويمكن أن تتضاعف تلك الساعات حينما يكون الأمر على غير ما تريد!
    وقبيل الإقلاع جاء من شغل المقعد الفارغ ... فتاةُ في مَيْعة الصِّبا ، لم
    تستطيع العباءة الفضفاضة السوداء ذات الأطراف المزيَّنة أن تخفي ما تميزت
    به تلك الفتاة من الرِّقة والجمال .. كان العطر فوَّاحاً ، بل إن أعين
    الركاب في الدرجة الأولى قد اتجهت إلى مصدر الرائحة الزكيَّة ، لقد شعرت
    حينها أن مقعدي ومقعد مجاورتي أصبحا كصورتين يحيط بهما إطار منضود من
    نظرات الرُّكاب ،




    حينما وجهت نظري إلى أحدهم ... رأيتُه يحاصر المكان بعينيه ، ووجهه
    يكاد يقول لي : ليتني في مقعدك ؛ كنت في لحظتها أتذكر قول الرسول عليه
    الصلاة والسلام فيما روي عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) (( ألا وإنَّ طيب
    الرجال ما ظهر ريحه ، ولم يظهر لونه ، ألا وإن طيب النساء ما ظهر لونه ولم
    يظهر ريحه )).
    ولا أدري كيف استطعت في تلك اللحظة أن أتأمل معاني هذا الحديث الشريف ، لقد تساءلت حينها (( لماذا يكون طيب المرأة بهذه الصفة ))؟
    كان الجواب واضحاً في ذهني من قبل : إن المرأة لزوجها ، ليست لغيره من
    الناس ، وما دامت له فإن طيبَها ورائحة عطرها لا يجوز أن يتجاوزه إلى غيره
    ، كان هذا الجواب واضحاً ، ولكن ما رأيته من نظرات ركاب الطائرة التي
    حاصرت مقعدي ومقعد الفتاه ، قد زاد الأمر وضوحاً في نفسي وسألت نفسي : يا
    ترى لو لم يَفُحْ طيب هذه الفتاة بهذه الصورة التي أفعمت جوَّ الدرجة
    الأولى من الطائرة ، أكانت الأنظار اللاَّهثة ستتجه إليها بهذه الصورة؟
    عندما جاءت ((خادمة الطائرة )) بالعصير ، أخذت الفتاة كأساً من عصير البرتقال ، وقدَّمته إليَّ
    تناولته شاكراً وقد فاجأني هذا الموقف ، وشربت العصير وأنا ساكتٌ ،ونظرات
    ذلك الشخص ما تزال تحاصرني ، وجَّهت إليه نظري ولم أصرفه عنه حتى صرف نظره
    حياءً - كما أظن - ، ثم اكتفى بعد ذالك باختلاس النظرات إلى الفتاة
    المجاورة ، ولما أصبح ذلك دَيْدَنَه ، كتبت قصاصة صغيرة (( ألم تتعب من
    الالتفات ؟ ))، فلم يلتفت بعدها .

    لم تكن الفتاة على حالتها التي دخلت بها إلى الطائرة ، كلا..لقد لملمت تلك
    العباءة الحريرية ، وذلك الغطاء الرقيق الذي كان مسدلاً على وجهها
    ووضعتهما داخل حقيبتها اليدوية الصغيرة ، لقد بدا وجهها ملوَّناً بألوان
    الطيف ، أما شعرها فيبدو أنها قد صفَّـفته بطريقة خاصة تعجب الناظرين ...
    قلت لها : سبحان من علَّم الإنسان ما لم يعلم ، فلولا ما أتاح الله للبشر
    من كنوز هذا الكون الفسيح لما أتيحت لنا رؤية هذه السحب بهذه الصورة
    الرائعة ..
    قالت: إنها تدلُّ على قدرة الله تعالى ..
    لقد تمنَّيتُ من أعماق قلبي لو أنها لم تعرف مَنْ أنا لقد كان في ذهن أشياء كثيرة أريد أن أقولها لها .
    وسكتُّ قليلاً كنت أحاور نفسي حواراً داخلياً مُرْبكاً ، ماذا أفعل ، هل
    أبدأ بنصيحة هذه الفتاة وبيان حقيقة ما وقعت فيه من أخطاءٍ ظاهرة ، أم
    أترك ذلك إلى آخر المطاف ؟
    وبعد تردُّد قصير عزمت على النصيحة المباشرة السريعة لتكون خاتمة الحديث معها.
    وقبل أن أتحدث أخرجت من حقيبتها قصاصاتٍ ملوَّنة وقالت : هذه بعض أوراق
    أكتبها ، أنا أعلم أنها ليست على المستوى الذي يناسب ذوقك ، ولكنها خواطر
    عبرت بها عن نفسي ...
    وقرأت القصاصات بعناية كبيرة ، إني أبحث فيها عن مفتاح لشخصية الفتاة ..
    قلت لها : عباراتك جميلة منتقاة ، ولكنها لا تحمل معنىً ولا فكرة كما يبدو لي ، لم أفهم منها شيئاً ، فماذا أردتِ أن تقولي ...؟
    (( إنها مريضة )) قلتها في نفسي ، نعم إنها مريضة بداء العصر ؛ القلق الخطير ، إنها بحاجة إلى علاج .
    قلت لها : ولكنَّ خواطرك هذه لا تعبر عن شيء ٍ مما قلت إنها عبارات
    برَّاقة ، يبدو أنك تلتقطينها من بعض المقالات المتناثرة وتجمعينها في هذه
    الأوراق ...
    قالت : عجباً لك ، أنت الوحيد الذي تحدَّثت بهذه الحقيقة ،كل صديقاتي
    يتحدثن عن روعة ما أكتب ، بل إن بعض هذه الخواطر قد نشرت في بعض صحفنا ،
    وبعثَ إلىَّ المحرِّر برسالة شكر على هذا الإبداع ، أنا معك أنه ليس لها
    معنى واضح ، ولكنها جميلة .
    وهنا سألتها مباشرة :
    هل لك هدفٌُ في هذه الحياة ؟!
    بدا على وجهها الارتباك ، لم تكن تتوقع السؤال ، وقبل أن تجيب قلت لها :
    هل لك عقل تفكرين به ، وهل لديك استقلال في التفكير ؟ أم أنك قد وضعت عقلك
    بين أوراق المجلات النسائية التي أشرت إليها ، وحلقات الأفلام التي ذكرت
    أنك تهرعين إليها عندما تشعرين بالملل .
    هل أنتِ مسلمة ؟!..
    هنا تغيَّر كل شيء ، أسلوبها في الحديث تغيَّر ، جلستها على المقعد تغيَّرت ، قالت :
    هل تشك في أنني مسلمة ؟ ! إني - بحمد الله - مسلمة ٌُ ومن أسرة مسلمة
    عريقة في الإسلام ، لماذا تسألني هذا السؤال ، إن عقلي حرٌّ ليس أسيراً
    لأحد ، إني أرفض أن تتحدَّث بهذه الصورة ..... وانصرفت إلى النافذة تنظر
    من خلالها إلى ملكوت الله العظيم ...
    لم أعلق على كلامها بشيء ، بل إنني أخذت الصحيفة التي كانت أمامي وانهمكت
    في قراءتها ، ورحلت مع مقال في الصحيفة يتحدث عن الإسلام والإرهاب (( كان
    مقالاً طويلاً مليئاً بالمغالطات والأباطيل ، يا ويلهم هؤلاء الذين يكذبون
    على الله , ولا أكتمكم أنني قد انصرفت إلى هذا الأمر كلياً حتى نسيت في
    لحظتها ما جرى من حوار بيني وبين مجاورتي في المقعد ، ولم أكن أشعر
    بنظراتها التي كانت تختلسها إلى الصحيفة لترى هذا الأمر الذي شغلني عن
    الحديث معها - كما أخبرتني فيما بعد-، ولم أعد من جولتي الذهنية مع مقال
    الصحيفة إلا على صوتها وهي تسألني :
    أتشك في إسلامي ؟!
    قلت لها : ما الإسلام ؟ ... قالت : الدين الذي أرسل الله به محمد صلى الله
    عليه وسلم ، قلت لها : وهو كما حفظنا ونحن صغار (( الاستسلام لله بالتوحيد
    ، والانقياد له بالطاعة ، و الخلوص من الشرك )) ، قالت : إي والله ذكرتني
    ، لقد كنت أحصل في مادة التوحيد على الدرجة الكاملة !
    قلت لها : ما معنى (( الانقياد له بالطاعة )) ؟
    سكتت قليلاً ثم قالت : أسألك بالله لماذا تتسلَّط عليَّ بهذه الصورة ، لماذا تسيء إليَّ وأنا لم أسئ إليك ؟
    قلت لها : عجباً لك ، لماذا تعدّين حواري معك إساءة ؟ أين موطن الإساءة فيما أقول؟
    قالت : أنا ذكية وأفهم ما تعني ، أنت تنتقدني وتؤنبني وتتهمني ، ولكن بطريقة غير مباشرة ..
    قلت لها : ألست مسلمة ؟
    قالت : لماذا تسألني هذا السؤال ؟ إني مسلمة من قبل أن أعرفك ، وأرجوك ألا تتحدث معي مرة أخرى .
    قلت لها : أنا متأسف جداً ، وأعدك بألا أتحدث إليك بعد هذا ...
    ورجعتُ إلى صفحات الصحيفة التي أمامي أكمل قراءة ذلك المقال الذي يتجنَّى
    فيه صاحبه على الإسلام ، ويقول : إنه دين الإرهاب ، وإن أهله يدعون إلى
    الإرهاب ، وقلت في نفسي : سبحان الله ، المسلمون يذبَّحون في كل مكان كما
    تذبح الشيِّاه ، ويقال عنهم أهل الإرهاب ...
    وقلبتُ صفحة أخرى فرأيت خبراً عن المسلمين في كشمير ، وصورة لامرأة مسلمة
    تحمل طفلاً ، وعبارة تحت صورتها تقول : إنهم يهتكون أعراضنا ينزعون الحجاب
    عنَّا بالقوة وأن الموت أهون عندنا من ذلك ، ونسيت أيضاً أن مجاورتي كانت
    تختلس نظرها إلى الجريدة ، وفوجئت بها تقول :
    ماذا تقرأ ؟ .. ولم أتحدث إليها ، بل أعطيتها الجريدة وأشرت بيدي إلى صورة المسلمة الكشميرية والعبارة التي نُقلت عنها ...
    ساد الصمت وقتاً ليس بالقصير ، ثم جاءت خادمة الطائرة بالطعام ... واستمر الصمت ...
    وبعد أن تجوَّلتُ في الطائرة قليلاً رجعت إلى مقعدي ، وما إن جلست حتى بادرتني مجاورتي قائلة ً :
    ما كنت أتوقع أن تعاملني بهذه القسوة !..
    قلت لها :
    لا أدري ما معنى القسوة عندكِ ، أنا لم أزد على أن وجهت إليك أسئلة ً كنت
    أتوقع أن أسمع منك إجابة ًعنها ، إ لم تقولي إنك واثقة بنفسك ثقة ً كبيرة
    ؟ فلماذا تزعجك أسئلتي ؟
    قالت : أشعر أنك تحتقرني ..
    قلت لها : من أين جاءك هذا الشعور ؟
    قالت لا أدري .
    قلت لها : ولكنني أدري .. لقد انطلق هذا الشعور من أعماق نفسك ، إنه
    الشعور بالذنب والوقوع في الخطأ ، أنت تعيشين ما يمكن أن أسمّيه
    بالازدواجية ، أنت تعيشين التأرجح بين حالتين ...
    وقاطعتني بحدّة قائلة : هل أنا مريضة نفسياً ؟ ما هذا الذي تقول ؟!
    قلت لها : أرجو ألاَّ تغضبي ، دعيني أكمل ، أنت تعانين من ازدواجيةٍ مؤذية
    ، أنتِ مهزومة من الداخل ، لاشك عندي في ذلك ، وعندي أدلّة لا تستطيعين
    إنكارها .
    قالت مذعورة ً : ما هي ؟
    قلت : تقولين إنك مسلمة ، والإسلام قول وعمل ، وقد ذكرت لك في أول حوارنا
    أن من أهم أسس الإسلام (( الانقياد لله بالطاعة )) ، فهل أنت منقادة لله
    بالطاعة ؟
    وسكتُّ لحظة ً لأتيح لها التعليق على كلامي ، ولكنها سكتتْ ولم تنطق ببنتِ
    شفةٍ - كما يقولون - كما يقولون - وفهمت أنها تريد أن تسمع ، قلت لها :
    هذه العباءة ، وهذا الحجاب اللذان حُشرا - مظلومَيْن - في هذه الحقيبة الصغيرة دليل على ما أقول ....
    قالت بغضب واضح : هذه أشكال وأنت لا تهتم إلا بالشكل ، المهم الجوهر .
    قلت لها: أين الجوهر؟ ها أنت قد اضطربت في معرفة مدلولات كلمة (( الإسلام
    )) الذي تؤمنين به ، ثم إن للمظهر علاقة قوية بالجوهر ، إن أحدهما يدلُّ
    على الآخر ، وإذا اضطربت العلاقة بين المظهر والجوهر ، اضطربت حياة
    الإنسان ...
    قالت : هل يعني كلامك هذا أنَّ كل من تلبس عباءة ً وتضع على وجهها حجاباً صالحة نقية الجوهر ؟
    قلت لها : كلا ، لم أقصد هذا أبداً ، ولكنَّ من تلبس العباءة والحجاب
    تحقِّق مطلباً شرعياً ، فإن انسجم باطنها مع ظاهرها ، كانت مسلمة حقّة ،
    وإن حصل العكس وقع الاضطراب في شخصيتها ، فكان نزعُ هذا الحجاب - عندما
    تحين لها الفرصة هيِّناً ميسوراً ، إن الجوهر هو المهم ، وأذكِّرك الآن
    بتلك العبارة التي نقلتها الصحيفة عن تلك المرأة الكشميرية المسلمة ، ألم
    تقل : إن الموت أهون عليها من نزع حجابها ؟ لماذا كان الموت أهون ؟
    لأنها آمنت بالله إيماناً جعلها تنقاد له بالطاعة فتحقق معنى الإسلام
    تحقيقاً ينسجم فيه جوهرها مع مظهرها ، وهذا الانسجام هو الذي يجعل المسلم
    يحقق معنى قول الرسول عليه الصلاة السلام : (( والذي نفسي بيده لا يؤمن
    أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) ..
    إنَّ لبس العباءة والحجاب - عندك - لا يتجاوز حدود العادة والتقليد ،
    ولهذا كان هيّناً عليك أن تنزعيهما عنك دون تردُّد حينما ابتعدت بك
    الطائرة عن أجواء بلدك الذي استقيت منه العادات والتقاليد ، أما لو كان
    لبسك للحجاب منطلقاً من إيمانك بالله ، واعتقادك أن هذا أمر شرعي لا يفرّق
    بين مجتمع ومجتمع ، ولا بلدٍ وبلدٍ لما كان هيّناً عليك إلى هذه الدرجة .
    الازدواجية في الشخصية - يا عزيزتي - هي المشكلة .. أتدرين ما سبب هذه الازدواجية ؟
    فظننت أنها ستجيب ولكنها كانت صامتةً ، وكأنها تنتظر أن أجيب أنا عن هذا السؤال..
    قلت: سبب هذه الازدواجية الاستسلام للعادات والتقاليد ، وعدم مراعاة أوامر
    الشرع ونواهيه ، إنها تعني ضعف الرقابة الداخلية عند الإنسان ،ولهذا فإن
    من أسوأ نتائجها الانهزامية حيث ينهزم المسلم من الداخل ، فإذا انهزم تمكن
    منه هوى النفس ، وتلاعب به الشيطان ، وظلَّ كذلك حتى تنقلب في ذهنه
    الموازين ...
    لم تقل شيئاً ، بل لاذت بصمت عميق ، ثم حملت حقيبتها واتجهت إلى مؤخرة
    الطائرة ... وسألت نفسي تراها ضاقت ذرعاً بما قلت ، وتراني وُفَّقت فيما
    عرضت عليها ؟ لم أكن - في حقيقة الأمر - أعرف مدى التأثر بما قلت سلباً أو
    إيجاباً ، ولكنني كنت متأكداً من أنني قد كتمت مشاعر الغضب التي كنت أشعر
    بما حينما توجه إليَّ بعض العبارات الجارحة ، ودعوت لها بالهداية ، ولنفسي
    بالمغفرة والثبات على الحق .
    وعادت إلى مقعدها .. وكانت المفاجأة ، عادت وعليها عباءَتُها وحجابها ... ولا تسل عن فرحتي بما رأيت !
    قالت : إن رحمة الله بي هي التي هيأت لي الركوب في هذا المقعد ، صدقت -
    حينما وصفتني - بأنني أعاني من الهزيمة الداخلية ، إن الازدواجية التي
    أشرت إليها هي السمة الغالبة على كثير من نبات المسلمين وأبنائهم ، يا
    ويلنا من غفلتنا ! أنَّ مجتمعاتنا النسائية قد استسلمتْ للأوهام ، لا
    أكتمك أيها الأخ الكريم ، أن أحاديثنا في مجالسنا نحن النساء لا تكاد
    تتجاوز الأزياء والمجوهرات والعطورات ، والأفلام والأغاني والمجلات
    النسائية الهابطة ، لماذا نحن هكذا ؟
    هل نحن مسلمون حقاًً ؟
    هل أنا مسلمة ؟
    كان سؤالك جارحاً ، ولكني أعذرك ، لقد رأيتني على حقيقة أمري ، ركبت
    الطائرة بحجابي ، وعندما أقلعت خلعت عني الحجاب ، كنت مقتنعة بما صنعت ،
    أو هكذا خُيِّل إليَّ أني مقتنعة ، بينما هذا الذي صنعته يدلُّ حقاً على
    الانهزامية والازدواجية ، إني أشكرك بالرغم من أنك قد ضايقتني كثيراً ،
    ولكنك أرشدتني ، إني أتوب إلى الله وأستغفره .
    ولكن أريد أن أستشيرك .
    قلت وأنا في روضةٍ من السرور بما أسمع من حديثها : (( نعم ... تفضلي إني مصغ ٍ إليك )) ..
    قالت : زوجي ، أخاف من زوجي

    قلت : لماذا تخافين منه ، وأين زوجك ؟
    قالت : سوف يستقبلني في المطار ، وسوف يراني بعباءتي وحجابي ..
    قلت لها : وهذا شيء سيسعده ...
    قالت : كلا ، لقد كانت آخر وصية له في مكالمته الهاتفية بالأمس : إياك أن
    تنزلي إلى المطار بعباءتك لا تحرجيني أمام الناس ، إنه سيغضب بلا شك .
    قلت لها : إذا أرضيت الله فلا عليك أن يغضب زوجُك ، و بإمكانك أن تناقشيه
    هادئة فلعلَّه يستجيب ، إني أوصيك أن تعتني به عناية الذي يحب له النجاة
    والسعادة في الدنيا والآخرة .
    وساد الصمت .... وشردت بذهني في صورة خيالية إلى ذلك الزوج يوصي زوجته بخلع حجابها ... أ هذا صحيح ؟!
    أيوجد رجل مسلم غيور كريم يفعل هذا ؟! لا حول ولا قوة إلا بالله ، إن
    مدنية هذا العصر تختلس أبناء المسلمين واحداً تلو الآخر ، ونحن عنهم
    غافلون ، بل ، نحن عن أنفسنا غافلون .
    وصلت الطائرة إلى ذلك المطار البعيد ، وانتهت مراسم هذه الرحلة الحافلة
    بالحوار الساخن بيني وبين جارة المقعد ، ولم أرها حين استقبلها زوجها ، بل
    إن صورتها وصوتها قد غاصا بعد ذلك في عالم النسيان ، كما يغوص سواها من
    آلاف الأشخاص والمواقف التي تمر بنا كلَّ يوم ...
    كنت جالساً على مكتبي أقرأ كتاباً بعنوان (( المرأة العربية وذكورية
    الأصالة )) لكاتبته المسمَّاة ((منى غصوب )) وأعجبُ لهذا الخلط ، والسفسطة
    ، والعبث الفكري واللغوي الذي يتضمَّنه هذا الكتاب الصغير ، وأصابني -
    ساعتها - شعور عميق بالحزن والأسى على واقع هذه الأمة المؤلم ، وفي تلك
    اللحظة الكالحة جاءني أحدهم برسالة وتسلَّمتها منه بشغف ، لعلَّي كنت
    أودُّ - في تلك اللحظة - أن أهرب من الألم الذي أشعله في قلبي ذلك الكتاب
    المشؤوم الذي تريد صاحبته أن تجرد المرأة من أنوثتها تماماً ، وعندما فتحت
    الرسالة نظرت إلى اسم المرسل ، فقرأت : (( المرسلة أختك في الله أم محمد
    الداعية لك بالخير )) .
    أم محمد ؟ من تكون هذه ؟!
    وقرأت الرسالة ، وكانت المفاجأة بالنسبة إليَّ ، إنها تلك الفتاة التي دار
    الحوار بيني وبينها في الطائرة ، والتي غاصت قصتها في عالم النسيان !
    إن أهم عبارة قرأتها في الرسالة هي قولها : (( لعلَّك تذكر تلك الفتاة
    التي جاورتك في مقعد الطائرة ذات يوم ، إِني أبشِّرك ؛ لقد عرفت طريقي إلى
    الخير ، وأبشرك أن زوجي قد تأثر بموقفي فهداه الله ، وتاب من كثير من
    المعاصي التي كان يقع فيها ، وأقول لك ، ما أروع الالتزام الواعي القائم
    على الفهم الصحيح لديننا العظيم ، --لقد قرأت قصيدتك )) ضدَّان يا أختاه
    (( وفهمت ما تريد )) !
    لا أستطيع أن أصور الآن مدى الفرحة التي حملتني على جناحيها الخافقين
    حينما قرأت هذه الرسالة .... ما أعظمها من بشرى ..... حينما ، ألقيت بذلك
    الكتاب المتهافت الذي كنت أقرؤه (( المرأة العربية وذكورية الأصالة )) ،
    ألقيت به وأنا أردد قول الله تعالى : { يُرِيدُونَ أن يُطْفِئُوا نُورَ
    اللهِ بَأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ
    كَرِهَ الْكافِرُونَ } .....
    ثم أمسكت بالقلم ... وكتَبْتُ رسالةََ ً إلى (( أم محمد )) عبَّرْتُ فيها
    عن فرحتي برسالتها ، وبما حملته من البشرى ، وضمَّنتها أبياتاً من القصيدة
    التي أشارت إليها في رسالتها ، منها :
    ضدان يا أختاه ما اجتمعا *** دين الهدى والفسق والصَّدُّ
    والله مـــــا أزرى بأمـــتنا *** إلا ازدواج مــــا لــه حَــدُّ
    وعندما هممت بإرسال رسالتي ، تبيَّن لي أنها لم تكتب عنوانها البريديَّ ، فطويتها بين أوراقي لعلّها تصل إليها ذات يوم .



    القصيدة
    هذي العيونُ ، وذلك القَدُّ *** والشيحُ والريحان والنَّدُّ
    هذي المفاتنُ في تناسُقها *** ذكرى تلوح ، وعِبْرَةٌ تبدو
    سبحانَ من أعطَى ، أرى جسداً *** إغراؤه للنفس يحتدُّ
    عينانِ مارَنَتا إلى رجل *** إلا رأيتَ قُواه تَنْهَدُّ
    من أين أنتِ ، أأنجبتْك رُبا *** خُضرٌ ، فأنتِ الزَّهر والوردُ ؟
    من أينَ أنتِ ، فإنَّ بي شغفاً *** وإليك نفسي - لهفةً - تعدو
    قالتْ ، وفي أجفانها كَحَلٌ *** يُغْري ، وفي كلماتها جِدُّ :
    عربيةٌ ، حرِّيَّتي جعلتْ *** مني فتاةً مالها نِـدُّ
    أغشى بقاعَ الأرض ما سَنَحَتْ *** لي فرصةٌ ، بالنفس أعتـدُّ
    عربيّةٌ ، فسألتُ : مسلمةٌ *** قالتْ : نعم ، ولخالقي الحمدُ
    فسألْتُها ، والنفسُ حائرةٌ *** والنارُ في قلبي لها وَقْدُ :
    من أينَ هذا الزِّيُّ ؟ ما عرفَتْ *** أرضُ الحجاز ، ولا رأتْ نجدُ
    هذا التبذُّلُ ، يا محدِّثتي *** سَهْمٌ من الإلحادِ مرتدُّ
    فتنمَّرتْ ثم انثنتْ صَلَفاً *** ولسانُها لِسِبَابِهَا عَبْدُ
    قالت : أنا بالنَّفسِ واثقةٌ *** حرِّيتي دون الهوى سَـدُّ
    فأجبتُها _ والحزن يعصفُ بي - : *** أخشى بأنْ يتناثر العقدُ
    ضدَّان يا أختاه ما اجتمعا *** دينُ الهدى والفسقُ والصَّدُّ
    والله ما أَزْرَى بأمَّتنَا *** إلا ازدواجٌ ما لَهُ حدُّ


    _________________





    يارب رحمتك يارب



    (。◕‿◕。)♥ ♥ ”*°•♥•°*”˜Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ˜”*°•♥•
    _|______________,,_
    ../ `--||||||||----------------]
    ./_==o _____________|
    ...),---.(_(__) /
    ..// () ),------/
    .//___//
    /`----' /


    ♫═╗╔╗ ★
    ╚╗╔╝?
    avatar
    كلمة حب
    نائب المدير
    نائب المدير

    الجنس : انثى عدد الرسائل : 1883
    العمر : 26
    نقاط : 32841
    تاريخ التسجيل : 05/03/2009

    رد: في الطائرة

    مُساهمة من طرف كلمة حب في الإثنين مايو 10, 2010 8:43 pm

    مشكور جدا ياعميد وبارك الله
    ونفع المسلمين جميعهم بقولك يارب
    وهدي الجميع الي الحق والخير


    _________________



    حين تكتشف:
    أن الزمان ليس زمانك
    وان المكان ليس مكانك..والإحساس ليس إحساسك ..
    وان الأشياء حولك لم تعد تشبهك..وان مدن أحلامك ما عادت تتسع لك
    عندها..لا تتردد....وارحل بلا صوت
    avatar
    قلب نهر
    كبار الشخصيات
    كبار الشخصيات

    الجنس : انثى عدد الرسائل : 1383
    العمر : 32
    نقاط : 32366
    تاريخ التسجيل : 04/03/2009

    رد: في الطائرة

    مُساهمة من طرف قلب نهر في الإثنين مايو 10, 2010 10:17 pm

    مشكور ياعميد علي التذكرة والعبرة الرائعه
    بارك الله لك


    _________________




    وعند الرحيل...لا تضيع وقتك في البحث في أحشاء اللغة لانتقاء كلمات الحب
    أو الاعتذار أو الوداع ..فكل الكلمات التي تولد لحظة الفراق ..إنما هي مجرد
    محاولات فاشلة...لتبرير وتفسير هروبك.
    avatar
    انا وهو وهي
    قلم لامع
    قلم لامع

    الجنس : انثى عدد الرسائل : 955
    العمر : 26
    نقاط : 31285
    تاريخ التسجيل : 22/04/2009

    رد: في الطائرة

    مُساهمة من طرف انا وهو وهي في الخميس يوليو 01, 2010 5:36 pm

    جميلة جدا يا عميد بارك الله لك


    _________________


    ليست مشكلتي إن لم يفهم البعض مااعنيه
    وليست مشكلتي .. إن لم تصل الفكرة لأصحابها
    فهذه قناعاتي .. وهذه افكاري
    وهذه كتاباتي بين يديكم
    أكتب مااشعر به .. وأقول ماأنا مؤمنة به
    انقل هموم غيري بطرق مختلفه

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يوليو 21, 2017 4:27 am